فخر الدين الرازي
174
تفسير الرازي
المسألة الأولى : " الكاف " في قوله : * ( وكذلك ) * يوجب التشبيه ، وفيه قولان : الأول : وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها . الثاني : أنه معطوف على ما قبله ، أي كما زينا للكافرين أعمالهم ، كذلك جعلنا . المسألة الثانية : الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم ، والآية على التقديم والتأخير تقديره : جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة ، فإنه لا يتم المعنى ، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا قلت : جعلت زيداً ، وسكت ، لم يفد الكلام حتى تقول رئيساً أو ذليلاً أو ما أشبه ذلك ، لاقتضاء الجعل مفعولين ، ولأنك إذا أضفت الأكابر ، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف ، وذلك لا يجوز عند البصريين . المسألة الثالثة : صار تقدير الآية : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها ، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة ، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فهذا أيضاً يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى . أجاب الجبائي عنه : بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة . وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيهاً بما إذا أراد ذلك ، فجاء الكلام على سبيل التشبيه ، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مراراً خارجة عن الحد والحصر . المسألة الرابعة : قال الزجاج : إنما جعل المجرمين أكابر ، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما ، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والإيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه ، لكفى ذلك دليلاً على خساسة المال والجاه . ثم قال تعالى : * ( وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) * والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهي قوله : * ( ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) * وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : * ( الله يستهزئ بهم ) * قالت المعتزلة : لا شك أن قوله : * ( وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون ) * مذكور في معرض التهديد والزجر ، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر ، ويخلق فيهم المكر ، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه ؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام